
بقلم : يوسف الرماش
لم ينفك الجمهور الفرنسي من الانتخابات الفرنسية حتى بدأت الإقصائيات النهائية لكرة القدم بأوروبا. أنظار عشاق هذه الرياضة باتت موجهة إلى بولونيا و أوكرانيا البلدين المنظمين لهذه التظاهرة، سهلت المباريات و الأدوار المتتالية على الجمهور تناسي الشأن السياسي و جل المشاكل و الأزمات الخانقة، فلعب الأطفال المدللون على الشاشات الكبرى، بما تبقى لهم من طاقة بعد جهد جهيد - خارج عن الاحتمال الإنساني الطبيعي- بالبطولات الوطنية و الدولية التي خاضها جلهم و التي تمتد على طول السنة. لم يتسنى للمنتخب الفرنسي قهر منافسيه، وبحسب المراقبين لم يكن لعبهم بالمستوى المطلوب، انتهى المشوار عند باب الربع ثم عادت النخبة مطأطئة رأسها إلى أرض الوطن و كأنها خسرت معركة شرف.
كان على هذا الإقصاء الكروي أن يكون حافزا لاستقصاء رياضي كفيل بوضع موازين لنخبة أفضل، لكنه تترجم إلى مساءلة سياسية مركزة على اللاعبين ذوي الأصول المغاربية ' كريم بن زيما' و كذا 'سمير نصري' ، أوخذ على الأول أنه لم يتفانى في الدفاع على القميص الوطني، وعلى الثاني عدم التزامه بالآداب الرياضية و شتمه للصحافة الفرنسية، فلم يتوانى اليمين المتطرف في استغلال هذه الفرصة لإبداء مشكلات الاندماج العزيزة على إيديولوجيته، فقد عنونت الجريدة الفرنسية ‘مينوت’، لسان الحزب اليميني المتطرف 'الجبهة الوطنية'، نصا مرافقا لصورة 'سمير ناصري' "لقد دنسوا القميص الوطني من جديد"، حيت يستهل الكاتب المقال على منوال لا يخلو من أخلاقيات الزقاق : "سلوكهم (أي اللاعبين) كسلوك زعماء العصابات الصغيرة... يستحقون ركلات خماسية على المؤخرة...". و تظهر الأسبوعية في ركنها الأيسر وباللونين الأسود و الأبيض، ما نشرته بعد المباراة النهائية لكأس العالم 2006، بخصوص زين الدين زيدان، النجم والقائد السابق للمنتخب، غداة المباراة النهائية الضائعة ضد المنتخب الإيطالي، معنونة على صورة لزيدان ب"وداعا يا بلطجي" و أضاف الكاتب فيما يخص اللاعب بأنه احتفظ بسلوكيات "حثالة الضواحي" (على سبيل التذكير فقد طرد زيدان نجم الفريق من الملعب قبل دقائق من انتهاء المبارة لنطحه للاعب إيطالي). من المهم الإشارة إلى أنه قبل فترة قصيرة من نهائيات كأس العالم 2006، قال جان ماري لوبان : "الفرنسيون لا يشعرون بأن هذا الفريق الكروي يمثلهم تمثيلا كاملا "، بعد هذا الخروج لرئيس الجبهة الوطنية، طرحت الجريدة علنا السؤال: "هل هناك الكثير من السود في المنتخب الفرنسي؟". كأن الحزب الذي استطاع إدخال نائبين برلمانين (من ضمن 579) في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يود بناء انتصار أيديولوجي على أنقاض هزيمة رياضية، جاعلا، و كعادته، من المهاجرين عمود أساس لمده المتطرف، و لكي توجه الحراب بابتهاج لإفشال دعاة تعدد الثقافات و كذا الدفع لإفلاس التكامل و الاندماج بين الأجيال بفرنسا.
تحت قراءة عرقية و دينية للكرة المستديرة، لنا أن نتوقع حالة من الفوضى في ظل تفكك الهوية الوطنية و الاجتماعية، على حساب موروث الثورة الفرنسية، التي بضياعها سيُنْقَل مركز ثقل المجتمع إلى أقصى اليمين، فالفريق الكروي القوي كالديمقراطية لا يتم بناؤه في يوم واحد، و انحلال الهوية الوطنية والاجتماعية ليس قرين ثلة من الراكضين وراء الكرة، فهل ستُمَارَس الرياضة للرياضة فقط؟ أم تسمو لتلعب دور الموحد؟ أم ستجر على مضض إلى حلبة السياسة و منه إلى التطرف؟
وفقا للأمزجة السياسية السائدة، لا شك في أن رايات الوطنية و الشعوبية المعلنة من طرف المتعصبين، ستصب لا محالة في أنفاق النفاق السياسي لتتقدم بسرعة وعلى كل الأصعدة، بأفكار و آراء كانت في الماضي مُلَثَّمَة، و تبقى أجْدَاها إستراتيجية البحث عن كبش الفداء أيا كان لحمه.
تاريخ الاضافة : 09/07/2012 12:14